الخطيب الشربيني

402

مغني المحتاج

سكناها إلى انقضاء عدتها لقوله تعالى : * ( أسكنوهن من حيث سكنتم ) * وقوله تعالى : * ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) * أي بيوت أزواجهن ، وأضافها إليهن للسكنى ، إذ لو كانت إضافة ملك لم تختص بالمطلقات . ولو أسقطت مؤنة المسكن عن الزوج لم تسقط كما في فتاوي المصنف لأنها تجب يوما بيوم ، ولا يصح إسقاط ما لم يجب . تنبيه : أفهم تقييده بالمعتدة عن طلاق أنه لا سكنى لمعتدة عن وطئ شبهة ولو في نكاح فاسد ولا لام ولد إن أعتقت ، وهو كذلك . ثم استثنى من المعتدة قوله : ( إلا ناشزة ) سواء كان ذلك قبل طلاقها كما صرح به القاضي وغيره ، أم في أثناء العدة كما صرح به المتولي : فإنها لا سكنى لها في العدة ، فإن عادت إلى الطاعة عاد حق السكنى كما صرح به المتولي في مسألته ، وإلا صغيرة لا تحتمل الجماع فإنه لا سكنى لها بناء على الأصح أنها لا تستحق النفقة حالة النكاح . والأمة لا نفقة لها على زوجها كالمسلمة ليلا فقط أو نهارا كما مر ذلك في فصل نكاح العبد ، وإلا من وجبت العدة بقولها ، بأن طلقت ثم أقرت بالإصابة وأنكرها الزوج فلا نفقة لها ولا سكنى وعليها العدة . فإن قيل : لا وجه لاستثناء الصغيرة من ذلك ، إذ الكلام في سكنى المعتدة ، والصغيرة لا عدة عليها . أجيب بأنه يتصور ذلك باستدخالها ماء الزوج وإن كان فيه بعد . ( و ) يجب السكنى أيضا ( لمعتدة وفاة في الأظهر ) ، لامره ( ص ) فريعة - بضم الفاء - بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري لما قتل زوجها أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله ، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا ، صححه الترمذي وغيره ، والثاني : لا سكنى لها كما لا نفقة لها ، وأجاب الأول بأن السكنى لصيانة مائة ، وهي موجودة بعد الوفاة كالحياة والنفقة ، لسلطته عليها وقد انقطعت ، وبأن النفقة حقها فسقطت إلى الميراث ، والسكنى حق الله تعالى فلم تسقط . تنبيه : محل الخلاف ما إذا لم يطلقها قبل الوفاة رجعيا ، وإلا لم تسقط قطعا لأنها استحقتها بالطلاق فلم تسقط الموت كما حكاه في المطلب عن الأصحاب ، لكن حكى الجرجاني طرد القولين فيها ، وعليه يأتي إطلاق المصنف . ( و ) يجب أيضا لمعتدة ( فسخ ) بعيب أو ردة أو إسلام أو رضاع ( على المذهب ) لأنها معتدة عن نكاح صحيح بفرقة في الحياة فأشبهت المطلقة تحصينا للماء . والطريق الثاني على قولين كالمعتدة عن وفاة . تنبيه : سكت المصنف عن استثناء الناشزة في عدة الوفاة وعدة الفسخ مع أن حكمها كالناشزة في عدة الطلاق كما صرح به القاضي والمتولي فيمت مات عنها ناشزا ، فلو أخر قوله : إلا ناشزة إلى هنا لشمل ذلك ، وشمل إطلاقه الملاعنة . والذي في الروضة نقلا عن البغوي أنها تستحق قطعا ، وحيث لا تجب السكنى لمعتدة فللزوج إسكانها حفظا لمائه ، ويقوم وارثه مقامه وعليها الإجابة ، وحيث لا تركة للميت لم يجب إسكانها ، فإن تبرع الوارث بالسكنى لزمتها الإجابة لأن له غرضا في صون ماء مورثه ، وغير الوارث كالوارث كما قاله الروياني تبعا للماوردي . فإن قيل : ينبغي عدم اللزوم كما لو تبرع أجنبي بوفاء دين ميت أو مفلس لم يلزم الدائن قبوله بخلاف الوارث ، وبأن اللزوم فيه تحمل منة مع كون الأجنبي لا غرض له صحيح في صون ماء الميت . أجيب عن الأول بأن ملازمة المعتدة للمسكن حق الله تعالى لا بدل له فيجب فيه القبول ، وإلا فيلزم تعطيله ، وبأن حفظ ماء الانسان من المهمات المطلوبة بخلاف أداء الدين . وعن الثاني بأنه إنما يصح إذا كان التبرع عليها ، وليس كذلك ، وإنما هو على الميت ، فإذا لم يوجد متبرع سن للإمام حيث لا تركة إسكانها من بيت المال لا سيما إن كانت متهمة بريبة ، وإن لم يسكنها أحد سكنت حيث شاءت . ( و ) إذا وجبت السكنى فإنما ( تسكن ) بضم أوله بخطه : أي المعتدة حتما ، ( في مسكن ) مستحق للزوج لائق بها ( كانت فيه عند الفرقة ) بموت أو غيره ، للآية وحديث فريعة السابقين . ( وليس للزوج وغيره إخراجها ، ولا لها خروج ) منه وإن رضي به الزوج إلا لعذر كما سيأتي ، لأن في العدة حق الله تعالى ، والحق الذي لله تعالى لا يسقط بالتراضي - بالضاد - وقد قال تعالى : * ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ) * .